سيد محمد طنطاوي
12
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والاستفهام في قوله - سبحانه - : * ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) * للإنكار و * ( حَسِبَ ) * من الحسبان بمعنى الظن . وقوله : * ( يُفْتَنُونَ ) * من الفتن ، بمعنى الاختبار والامتحان . يقال : فتنت الذهب بالنار ، أي : أدخلته فيها لتعلم الجيد منه من الخبيث . وجملة « أن يتركوا » سدت مسد مفعولي حسب ، وجملة « أن يقولوا » في موضع نصب ، على معنى : لأن يقولوا ، وهي متعلقة بقوله : * ( يُتْرَكُوا ) * . وجملة « وهم لا يفتنون » في موضع الحال من ضمير « يتركوا » . والمعنى : أظن الناس أن يتركوا بدون امتحان ، واختبار ، وابتلاء ، وبدون نزول المصائب بهم ، لأنهم نطقوا بكلمة الإيمان ؟ إن ظنهم هذا ظن باطل ، ووهم فاسد ، لأن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فقط ، بل هو عقيدة تكلف صاحبها الكثير من ألوان الابتلاء والاختبار ، عن طريق التعرض لفقد الأموال والأنفس والثمرات ، حتى يتميز قوى الإيمان من ضعيفه . قال القرطبي : والمراد بالناس قوم من المؤمنين كانوا بمكة ، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام ، كسلمة بن هشام ، وعياش بن ربيعة ، والوليد بن الوليد . . فكانت صدورهم تضيق بذلك ، وربما استنكروا أن يمكن اللَّه الكفار من المؤمنين . قال مجاهد وغيره : فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة اللَّه في عباده ، اختبار للمؤمنين وفتنة . قال ابن عطية : وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال ، فهي باقية في أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، موجود حكمها بقية الدهر . . . » « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّه الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ) * مؤكد لما قبله من أن ظن الناس أن يتركوا بدون ابتلاء ، لقولهم آمنا ، هذا الظن في غير محله ، لأن سنة اللَّه قد اقتضت أن يدفع الناس بعضهم ببعض ، وأن يجعل الكافرين يتصارعون مع المؤمنين ، إلا أن العاقبة في النهاية للمؤمنين . والمقصود بقوله - تعالى - : * ( فَلَيَعْلَمَنَّ . . ) * إظهار علمه - سبحانه - ، أو المجازاة على الأعمال . أي : ولقد فتنا الذين من قبل هؤلاء المؤمنين من أصحابك - أيها الرسول الكريم - ، * ( فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّه الَّذِينَ صَدَقُوا . . . ) * أي فليظهرن اللَّه - تعالى - في عالم الواقع حال الذين صدقوا في إيمانهم ، من حال الكاذبين منهم ، حتى ينكشف للناس ما هو غائب عن علمهم .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 13 ص 304 .